ابن بطوطة
9
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ثم لما سلكنا هذه البرية وقطعناها ، كما ذكرناها ، وصلنا إلى خوارزم « 3 » ، وهي أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها لها الأسواق المليحة ، والشوارع الفسيحة ، والعمارة الكثيرة ، والمحاسن الأثيرة ، وهي ترتج بسكانها لكثرتهم ، وتموج بهم موج البحر ، ولقد ركبت بها يوما ودخلت السوق فلمّا توسطته ، وبلغت منتهى الزحام في موضع يقال له الشّور « 4 » ، بفتح الشين المعجم واسكان الواو ، لم أستطع أن أجوز ذلك الموضع لكثرة الازدحام ، وأردت الرجوع فما أمكنني لكثرة الناس ، فبقيت متحيّرا وبعد جهد شديد رجعت . وذكر لي بعض الناس أن تلك السوق يخفّ زحامها يوم الجمعة لأنهم يسدّون سوق القيسارية وغيرها من الأسواق ، فركبت يوم الجمعة وتوجهت إلى المسجد الجامع والمدرسة ، وهذه المدينة تحت إمرة السلطان أوزبك ، وله فيه أمير كبير يسمى قطلودمور « 5 » ، وهو الذي عمّر هذه المدرسة وما معها من المواضع المضافة ، وأما المسجد فعمرته زوجته الخاتون الصالحة ترابك « 6 » . بضم التاء المعلوة وفتح الراء وألف وبك بفتح الموحدة والكاف . وبخوارزم مارستان له طبيب شامي يعرف بالصهيوني نسبة إلى صهيون من بلاد
--> ( 3 ) يلاحظ أن ابن بطوطة سكت هنا عن شكل الكلمة على خلاف عادته ، ويقول ياقوت أن الخاء بين الضمة والفتحة والألف مسترقة مختلسة ليست بألف صحيحة ، هكذا يتلفظون به ، وخوارزم ليس اسما للمدينة ، إنما هو اسم للإقليم بجملته ، يقول ياقوت فأما القصبة العظمى فقد يقال لها اليوم الجرجانية ، وأهلها يسمونها ( كركانج ) ويقول عن الجرجانية ، إنها مدينة عظيمة على دلتا نهر جيحون ( amudarya ) وهي بالذات ( urgentch ) فعربت إلى الجرجانية . وقد جاءها ياقوت سنة 616 - ( 1219 ) فوصف بردها الشديد ، ونقل عن البشّاري المقدسي أنها أي خوارزم في الشرق كسجلماسة في الغرب وطباع أهلها مثل طبع البربر . . . وقال : وكانت قصبتها قديما تسمى المنصورة . . . ثم انتقل أهلها إلى الجرجانية ، والجدير بالذكر أن ننبه إلى أن ياقوت نقل عن رحلة السفير ابن فضلان حول خوارزم . . . ويلاحظ العمري أن الأثمان كانت متشابهة تقريبا مع سراي وأن المركزين معا كانا يستعملان نفس المقاييس والمكاييل . . . ( 4 ) الشّور : اسم خوارزمي ويعني بالفارسية الحركة والهيجان . . . - حول القيسارية انظر ج i ، 151 تعليق 94 ( 5 ) قطلودومور ( qutlugh - tomur ) كان في صدر الذين أعانوا أوزبك خان على الاستيلاء على الحكم عام 713 - 1313 وكان مكلفا بإدارة المملكة ولم يلبث أن سمي حاكما على خوارزم . . . ( 6 ) يوجد ضريح ترابك الخاتون دائما في مقبرة في الجرجانية ، أنظر آثار الإسلام التاريخية فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي - حول صهيون من بلاد الشام ج i ، 166 تعليق 125 .